النويري
161
نهاية الأرب في فنون الأدب
أوجب ونصرة دينه ألزم . قال اللَّه تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ) * . نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة وقد كتب كتابا إلى أهل مكة حين همّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بغزوهم يعلمهم فيه بالخبر وأنفذه مع سارّة - مولاة لبنى المطلب - فأطلع اللَّه تعالى نبيه صلى اللَّه عليه وسلم على ذلك ، فأنفذ عليّا والزبير في أثرها ، فأدركاها وأخذا الكتاب من قرون رأسها ، فدعا النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم حاطبا فقال : « ما حملك على ما صنعت » ؛ فقال : واللَّه يا رسول اللَّه إني لمؤمن باللَّه ورسوله ، ما كفرت ولا بدّلت ولكني امرؤ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم أهل وولد فصانعتهم [ 1 ] عليهم ؛ فعفا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عنه . على ما نذكر ذلك إن شاء اللَّه تعالى مبيّنا في أثناء السيرة النبوية عند ذكرنا لغزوة الفتح ، فتأمله هناك تجده . وأما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم فأربعة أشياء . أحدها : التزام طاعته والدخول في ولايته ؛ لأن ولايته عليهم انعقدت ، وطاعته بالولاية وجبت . والثاني : أن يفوّضوا الأمر إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره ، حتى لا تختلف آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم . قال اللَّه تعالى : * ( ولَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّسُولِ وإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ ) * فجعل تفويض الأمر إلى وليّه سببا إلى حصول العلم وسداد الأمر . فإن ظهر لهم صواب خفى عليه بيّنوه له وأشاروا به عليه . والثالث : أن يسارعوا إلى امتثال أمره ، والوقوف عند نهيه وزجره ، لأنهما من لوازم طاعته . فإن توقّفوا عما أمرهم به أو أقدموا على ما نهاهم عنه ورأى تأديبهم على المخالفة بحسب أفعالهم ، فعل .
--> [ 1 ] في الأصل « فطالعتهم بذلك » وما أثبتناه عن تاريخ الكامل لابن الأثير ( ج 3 ص 184 طبع مدينة « ليدن » ) وعن الطبري ( القسم الأوّل ص 1627 طبع أوروبا ) وعن السيرة النبوية لابن هشام ( ص 810 طبع أوروبا ) وعن شرح القسطلاني فإنه بعد أن شرح رواية البخاري للحديث في كتاب الجهاد قال « وفى رواية ابن إسحاق : وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم » .